العلاج المعرفي السلوكي: يوليو 2021
سجل الان

في مفهوم الضغوط

0 0 أصوات
التقييم

يرجع تاريخ الاهتمام بدراسة أثر ضغوط الحياة (أحداث الحياة الضاغطة) التي يمر بها الفرد على صحته النفسية والجسمية إلى عام 1929، عندما أجرى والتر كانون ملاحظاته المنظمة على التغيرات الفسيولوجية المصاحبة للجوع والعطش والبرد، وانتهى من ذلك إلى أن هذه المصادر الضاغطة (الجوع، العطش، البرد) تحدث آثاراً انفعالية على الفرد، وتؤدى إلى تغيرات في العمليات الفسيولوجية له (من خلال تنشيط الجهاز العصبي المستقل والغـدد الصماء) لتمكنه من الفرار أو مواجهة الخطر والتهديد.

وتبلور هذا الاهتمام بمصادر ضغوط الحياة أكثر (وفق المنظور الفسيولوجي) من خلال إسهامات هانزسيلى  H. Selye  عام 1936، عندما استخدم مصطلح الضغوط في أول بحث له، والذى نُشر في المجلة البريطانية لعلم النفس تحت عنوان “الأعراض الناشئة عن العوامل ذات الأضرار المتعددة”. ثم قدم سيلى هذا المصطلح إلى الحياة العملية، حينما أرسى نظريته “زُملة أعراض التكيف العام، متناولاً فيها التكيف الفسيولوجي للفرد (بوصفها عملية دفاعية تقوم بها الأجهزة الحيوية بالجسم للحماية من مصادر الضغوط المختلفة) في كتابيه “فسيولوجية وباثولوجيه التعرض للمشقة”، و”المشقة والحياة”.

ومع نمو المعرفة الإنسانية في مجال علم النفس بفترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، نشطت بحوث أحداث الحياة (باعتبارها مصادر للضغوط) من خلال العمل المنظم الذى قام به أودلف مايير A. Meyer لوسيلته المسماة صحيفة بيانات الحياة Life Chart، وهى تقدم أسلوباً مميزاً يسمح بعرض تخطيطي لعلاقة الظواهر البيولوجية والنفسية والاجتماعية بالصحة والمرض لدى الإنسان.

ففي عام 1967, قام هولمز وراهى Holms & Rahe باستخدام هذه الصحيفة على 5000 شخص من المرضى لدراسة أحداث الحياة كماً وكيفاً، وطورا من خلال هذا العمل واحدة من أشهر قوائم أحداث الحياة، والتي سميت باسم مقياس تقدير إعادة التوافق الاجتماعي Social Readjetment Rating Scale (SRRS). كذلك ظهرت قوائم أخرى لأحداث الحياة شملت أحداث الحياة اليومية كقوائم هولمز وماسودا عام 1974 Holmes & Masuda  ومقياس دوروينيد عام 1978 Dohroenwand، ومقياس كانر وكوين وشيفر ولازاروس عام 1981 Kanre, Coyne, Schaeffer &Lazarus. وقد ركزت بنود هذه المقاييس على المشاحنات أو المضايقات اليومية، وغيرها من الأحداث المزمنة والمتكررة والمسببة للضغوط.

ويرى بعض المنظرين أن مفهوم مصادر ضغوط الحياة، يمثل مفهوماً مركباً يتكون من عنصرين اثنين متفاعلين هما:

ـ    مصادر ضغوط الحياة.

ـ    الضغوط.

أولاً: مفهوم مصادر الضغوط

تمثل مصادر الضغوط المثيرات البيئية أو المواقف الضاغطة التي تولد استجابة معينة تصدر من الفـرد تجـاه هـذه المثـيرات أو المواقـف

وضمن هذا السياق يعرف كل من هولمز وراهى مصادر الضغوط على أنها أحداث الحياة الإيجابية والسلبية التي تؤدى إلى تغير أساسي في نمط حياة الفرد، ومن أمثلة هذه الأحداث: وفاة شريك الحياة، والطلاق، والانفصال الزواجي، ودخول السجن، والزواج، والتقاعد، والترقي في العمل، والانتقال إلى سكن جدد.

مصادر الضغوط:

1 – الضغوط الحادة وهى مصادر ضغوط محددة, ولا تستغرق وقتاً طويلاً في حدوثها، كحوادث السيارات، أو حوادث الاغتصاب والسطو المنزلي، أو إجراء سيدة لعملية استئصال الثدي.

2 – الضغوط المتصلة (ذات التوابع): وهى ضغوط أساسية، ينتج عنها عدد من الضغوط الثانوية, والتي تحدث عبر الزمن مثل أحداث الوفاة وما تؤدى إليه من تدنى في مستوى الدخل، والطلاق وما يترتب عليه من تصدع في العلاقات الاجتماعية والصعوبة في رعاية

الأطفال، وفقدان الوظيفة وما يترتب عليه من آثار متعددة كالخلافات مع الزوجة حول كيفية مواجهة نفقات المعيشة.

3 – الضغوط المتقطعة: وهى المصادر الضاغطة التي يتعرض لها الفرد عبر فترات زمنية معينة، مثل امتحانات الطلبة، وعقد اجتماعات في العمل مع زملاء يكرههم الفرد، سلسلة زيارات للطبيب من أجل جلسات علاجية مؤلمة.

4 – الضغوط المزمنة: مصادر للضغوط التي تستمر لفترات طويلة قد تصل إلى شهور أو سنوات، مثل وجود مرض يعانى منه الفرد، وكثرة أعباء العمل، والصراعات العائلية بين الإخوة، ووجود شخص مدمن في الأسرة.

وتأثير مصادر ضغوط الحياة على الفرد يعتمد على عدة عوامل منها العوامل الظرفية, مثل: عدم القدرة على التنبؤ بالمصدر الضاغط، أو عدم اليقين والشك بهذا المصدر، وكذلك مدة المصدر الضاغط، وحداثة المصدر الضاغط (عدم ألفة الفرد لهذا المصدر الضاغط). وبشكل أكثر تحديداً فإن مصادر الضغوط السلبية والمفاجئة (غير المتوقعة) أو غير القابلة للتنظيم أو السيطرة تكون أكثر تأثيراً وشدة من مصادر الضغوط المتوقعة والقابلة للتنظيم، كما أن درجة غموض المصدر الضاغط من العوامل التي لها تأثير سلبى على الفرد

ثانياً: مفهوم الضغوط

يعتبر مفهوم الضغوط (*) واحداً من أكثر المفاهيم النفسية التي يدور حولها الحوار بين علماء علم النفس الإكلينيكي؛ وذلك لاختلاف اتجاهات هؤلاء في دراسة هذا المفهوم.

وقد تناول علماء النفس لهذا المفهوم من خلال ثلاثة مناحٍ مختلفة: الضغوط بوصفها مثيرات، أو بوصفها استجابات، أو بوصفها تفاعلاً بين الفرد والبيئة

المنحى الأول: الضغوط بوصفها مثيرات

وهى تتضمن الإشارة إلى أي مثير خارجي أو داخلي يُحدث قدراً من المشقة (الضغط) على الفرد.

المنحى الثاني: الضغوط بوصفها استجابات

تحدث الضغوط (وفقاً لهذا المنحى) عندما يكون هناك عدم توازن بين مواجهة الفرد لمصادر ضغوط الحياة المتعددة وقدرته على إصدار الاستجابة الملائمة.

فاستجابة الفرد للمواقف الضاغطة قد تعكس ثلاثة أنماط من الاستجابة:

1– استجابة نفسية: كالقابلية للاستثارة، والغضب، أو الخوف والقلق وتوقع للشر، وقد تظهر في صورة اضطرابات مزاجية كالاكتئاب.

2 – استجابة جسمية: مثل التوتر العضلي، والصداع، وآلام أسفل الظهر، والاضطرابات الهضمية، واللوازم العصبية، وانخفاض الطاقة والتعب، وارتفاع ضغط الدم.

3 – استجابة سلوكية: تغير النمط الشخصي، والتشتت، وصعوبة التركيز، وقلة الكفاءة في معالجة المعلومات، وضيق الاهتمامات. أو تظهر هذه الاستجابات السلوكية في شكل تعاطى الكحوليات والمخدرات، أو الأكل بشراهة، أو الصراعات داخل الأسرة، أو انخفاض الأداء المهني.

المنحى الثالث: المنحى التفاعلي

وهو يتعامل مع الضغوط باعتبارها عملية تفاعلية بين الفرد وبيئته، إذ يأخذ هذا المنحى  بعين الاعتبار المحددات الحيوية والنفسية والاجتماعية التي تتوسط العلاقة بين التعرض لمثيرات الضغوط والاستجابة لها.

النموذج الفسيولوجي كنموذج مفسر للضغوط

قدم هانزسيلى هذا النموذج من خلال نظريته “زملة أعراض التكيف العام”، وذلك لتفسير ما يتعرض له الجسم من تغيرات بيوكيميائية فسيولوجية في شكل سلسلة من الإرجاع عندما يطول زمن تعرض الفرد لمصادر ضغوط الحياة المختلفة. وتشمل نظرية ” زملة أعراض التكيف العام ” ثلاث مراحل: المرحلة المبدئية, وتسمى بمرحلة الإنذار وقوامها رد الفعل التنبيهي، وهى تظهر في استجابة الجسم للطوارئ (المثيرات الضاغطة), وتتميز في بدايتها بانخفاض مستوى الاستثارة الفسيولوجية (إذ ينخفض ضغط الدم دون المستوى الطبيعي للحظة، ثم يرتفع بعد ذلك بسرعة) وتصبح الدفاعات الفسيولوجية الداخلية نشطة، وتصحبها زيادة في إفراز الهرمونات، وذلك عن طريق الغدد الصماء؛ إذ تفرز الغدة النخامية الأمامية هرموناً يرمز له بالرمز(ACTH) وهو هرمون منشط لقشرة الغدد الأدرينالية لتفرز بدورها نسبة عالية من الهرمونات المركبة في مجرى الدم, وهى هرمونات: الكورتيزون، والهيدروكورتيزون)، والكورتيكوستيرون؛ إذ تساعد هذه الهرمونات على زيادة قدرة الفرد على التكيف مع المثيرات الضاغطة التي يتعرض لها، حيث تعمل على تحويل الدهون والبروتينات المخزنة في الجسم إلى أشكال من الطاقة، وبالتالي تساعد على تنظيم الاستجابات الدفاعية في الجسم.

ولكن إذا استمرت هذه المثيرات الضاغطة، فإن هناك مرحلة ثانية تعرف بمرحلة المقاومة. وفيها يحاول الجسم أن يتكيف مع هذه المثيرات لاسيما إذا كانت قوية ومستمرة لفترة طويلة، حيث تقل الاستثارة الفسيولوجية للجسم، ولكنها تظل أعلى من المعدل الطبيعي، ويتزود الجسم ثانية

بالهرمونات المفرزة من (الغدة الأدرينالية). وهذه الاستثارة الفسيولوجية المستمرة تضعف من قدرة الفرد على مقاومة مصادر الضغوط المختلفة، وهذه المقاومة تكون ذات أهمية لاسيما في نشأة كثير من المشكلات الصحية وهو ما أطلق عليه سيلى أمراض التكيف، ومن هذه المشكلات الصحية, أمراض الجهاز الهضمي “كقرحة المعدة، واضطرابات القولون”، وأمراض الأوعية الدموية وأمراض القلب.

ومع تكرار هذه المثيرات الضاغطة واستمراريتها تظهر المرحلة الثالثة وهى مرحلة الإجهاد؛ إذ تؤدى الاستثارة الفسيولوجية والناتجة عن المثيرات والمصادر الضاغطة الطويلة الأجل والمتكررة إلى استهلاك طاقة الجسم، وتصبح مقاومة الجسم ضعيفة جداً، وتقل طاقاته التكيفية, وتزداد شدة المرض، وربما يحدث بعدها الموت.

مارس 8, 2021
اشتراك
نبّهني عن
0 مشاركات
Inline Feedbacks
View all comments
0
شاركنا بالنقاش، اكتشف أفكاراً جديدةx
()
x