زوايا

أخطر كذبة صدّقتها عن نفسك

كيف تتكوّن فكرة “أنا أقل من غيري”… ولماذا تبدو حقيقية رغم أنها ليست كذلك

نادراً ما يستيقظ الإنسان صباحًا ويقول:
“أنا أقل من غيري”.

هذه الفكرة لا تأتي فجأة.
تتسرّب ببطء، في صمت،
حتى تصبح جزءًا من الحوار الداخلي وكأنها حقيقة بديهية.

والخطورة هنا ليست في الفكرة نفسها،
بل في أنك تتوقف عن التشكيك فيها.


الكذبة لا تُقال لك مباشرة

لا أحد يقول لك صراحة: “أنت أقل”.
لكن الرسائل الصغيرة المتكررة تفعل ذلك نيابة عنه:

  • المقارنة المستمرة

  • التقدير المشروط بالإنجاز

  • المديح النادر

  • النقد السريع

  • الشعور أنك دائمًا “متأخر خطوة”

مع الوقت، لا تقول:

أنا فشلت في هذا الأمر

بل تقول:

أنا المشكلة.


لماذا تبدو الكذبة مقنعة؟

لأن العقل يحب التفسيرات البسيطة.
حين تتعثر، أسهل تفسير هو:

غيري أفضل.

هذا التفسير يعطيك سببًا جاهزًا،
ويعفيك مؤقتًا من المواجهة.

لكن الحقيقة النفسية أعمق:
أنت لا تقارن واقعك بواقع الآخرين…
أنت تقارن داخلك بكواليسهم المزيّفة.


المقارنة ليست مشكلة ثقة… بل عدالة

معظم الناس لا يعانون من “قلة ثقة”،
بل من حكم غير عادل على أنفسهم.

تحاسب نفسك على:

  • تعبك

  • تردّدك

  • أخطائك

  • بطء تقدمك

بينما ترى الآخرين من زاوية:

  • نتائجهم

  • صورهم

  • لحظاتهم الأفضل

وهكذا تُصدر حكمًا مختلًا…
ثم تصدّقه.


كيف تتحوّل المقارنة إلى هوية؟

في البداية، الفكرة تقول:

أنا أقل في هذا المجال

ثم تصبح:

أنا أقل بشكل عام

ثم تتحول إلى سلوك:

  • لا تتقدم

  • لا تطلب

  • لا تجرّب

  • تقلل من نفسك قبل أن يقلل الآخرون منك

وهنا لا تعود الكذبة فكرة…
تصبح طريقة عيش.


لماذا لا تختفي هذه الفكرة بالإنجاز؟

لأن المشكلة ليست في نقص الأدلة،
بل في العدسة التي ترى بها نفسك.

قد تنجح،
ويأتي صوت داخلي يقول:

حظ
صدفة
غيرك يستحق أكثر

طالما العدسة مشوّهة،
ستشوّه أي إنجاز.


الحقيقة التي لا يُقال عنها كثيرًا

القيمة الذاتية لا تُقاس بالمقارنة.
لأن المقارنة تفترض أن:

  • الجميع بدأ من نفس النقطة

  • يمتلك نفس الظروف

  • يعيش نفس التحديات

وهذا غير صحيح نفسيًا ولا إنسانيًا.

أنت لست أقل…
أنت مختلف في المسار، الإيقاع، والحمولة.


ما الذي يعيد التوازن؟

ليس أن تقنع نفسك أنك “الأفضل”.
ولا أن تتجاهل الآخرين.

بل أن:

  • تفصل بين قيمتك ونتيجتك

  • تقيّم نفسك بناءً على تقدمك أنت

  • تتوقف عن استخدام حياة غيرك كمرآة لك

عندما تنسحب من المقارنة،
تعود إلى أرضك النفسية.


الخلاصة

أخطر كذبة ليست أنك فشلت.
بل أنك صدّقت أن الفشل يعني أنك أقل.

حين تسقط هذه الكذبة،
لا تحتاج أن تصبح شخصًا آخر…
بل أن ترى نفسك دون تشويه.

د. محمود عبد العال

مدرب نفسي (PhD) متخصص في جودة الحياة والتدخلات الموجهة للمراهقين والشباب. مؤسس ومدير الاكاديمية الدولية للإنجاز.