زوايا

تحرّر من دوّامة التفكير: حين لا تكون المشكلة في حياتك

بل في ما يدور داخل رأسك

أحيانًا لا تكون الحياة معقّدة كما نشعر،
لكن طريقة التفكير فيها تجعلها تبدو كذلك.

تبدأ الفكرة صغيرة.
سؤال عابر.
احتمال بسيط.

ثم يحدث شيء مألوف:
تفكير يزيد،
توتر يزيد،
سلوك يتغيّر قليلًا،
والنتيجة… تعود كما كانت.

فتعود للتفكير من جديد.

وهكذا تتكوّن الدوّامة.

كثيرون يظنون أن التفكير الزائد دليل وعي،
لكن الوعي الحقيقي لا يُنهك صاحبه.

حين يتحوّل التفكير إلى ضغط،
فهو لم يعد أداة،
بل أصبح دائرة مغلقة.

المشكلة ليست أنك تفكر،
بل أنك تفكر بنفس الطريقة في كل مرة.

الفكرة تجر شعورًا،
الشعور يغيّر السلوك،
السلوك يعيد نفس النتيجة،
ثم تأتي الفكرة من جديد وكأنها تقول:
“أرأيت؟ كنت محقًا أن أقلق”.

هنا لا تعيش المشكلة…
بل تعيش تفسيرك المستمر لها.

كثير من الناس يحاولون كسر الدوّامة من نهايتها:
يحاولون تغيير الشعور،
أو إجبار أنفسهم على تصرّف مختلف.

لكن الدائرة لا تُكسر من الخارج.

ما لا يُرى بوضوح
يستمر في التكرار.

التفكير الزائد لا يبدأ من فكرة كبيرة،
غالبًا يبدأ من “نقطة تفعيل” صغيرة جدًا.

جملة.
نظرة.
مقارنة.
تذكّر موقف قديم.

شيء بسيط يشعل السلسلة كاملة.

وحين لا تنتبه لهذه النقطة،
تظن أن المشكلة ظهرت فجأة،
بينما هي بدأت قبلها بكثير.

لهذا،
الدوّامة ليست عشوائية.

هي منطقية… لكنها خفية.

العقل لا يهاجمك،
هو يحاول حمايتك بطريقته.

لكن بعض طرق الحماية
تُبقيك في حالة استنفار دائم.

ومع الوقت،
يحدث استنزاف.

التفكير المتواصل يسحب طاقتك،
وحين تقل الطاقة:

يضعف التركيز،
تتشوش الرؤية،
وتصبح أي فكرة صغيرة عبئًا ثقيلًا.

فتفسّر الأمور بأسوأ شكل،
ليس لأن الواقع تغيّر،
بل لأن طاقتك لم تعد تحتمل.

وهنا يبدأ جلد الذات.

“لماذا أنا هكذا؟”
“لماذا لا أرتاح مثل غيري؟”
“لماذا لا أستطيع التوقف؟”

لكن السؤال الأهم ليس:
كيف أتوقف عن التفكير؟

بل:
كيف أخرج من الدائرة؟

الدوّامة لا تُفكّ بالقوة،
ولا بعبارة “اهدأ”.

تُفكّ حين ترى تسلسلها بوضوح:

ما الفكرة التي تبدأ بها؟
ما الشعور الذي يليها مباشرة؟
ما التصرف الذي تقوم به دون وعي؟
وكيف تعود النتيجة لتغذّي الفكرة من جديد؟

حين تُرى هذه السلسلة،
يفقد التفكير جزءًا كبيرًا من سلطته.

ليس لأنك أصبحت أقوى،
بل لأن الغموض انكسر.

التحرّر لا يعني أن تختفي الأفكار،
بل أن لا تسحبك معها كل مرة.

أن تراها وهي تبدأ،
قبل أن تكبر.

أن تعرف:
“الآن أنا أدخل الدائرة”
فتختار استجابة مختلفة،
ولو كانت صغيرة جدًا.

التغيير الحقيقي في هذه الحالات
لا يكون قفزة،
بل تعديلًا بسيطًا متكررًا.

خطوة قصيرة،
لكن في المكان الصحيح.

وحين تتغيّر الاستجابة،
تضعف الدائرة.

ليس فورًا،
لكن بثبات.

وإذا كنت تعيش تفكيرًا زائدًا،
وقلقًا،
وتحليلًا مبالغًا فيه،
فهذا لا يعني أنك ضعيف.

غالبًا يعني أنك
عالق داخل دائرة
لم تُرَ بوضوح بعد.

وحين تُرى،
لا تختفي الحياة،
لكنها تهدأ.

د. محمود عبد العال

مدرب نفسي (PhD) متخصص في جودة الحياة والتدخلات الموجهة للمراهقين والشباب. مؤسس ومدير الاكاديمية الدولية للإنجاز.