زوايا

لماذا نُكرِّر نفس القرارات المؤذية رغم ذكائنا؟

كم مرة نظرتَ إلى قرار اتخذته ثم قلتَ لنفسك: كنت أعرف أنه سيؤذيني… فلماذا فعلته؟
السؤال مُربك لأن الافتراض الشائع يقول: إذا كنتَ ذكيًا، ستتعلم بسرعة ولن تكرر الخطأ.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا: أذكى الناس يكررون قرارات مؤذية في العمل، في العلاقات، في المال، وفي الصحة.
والسبب؟ لأن الذكاء ليس هو من يتخذ القرار دائمًا.


أولًا: من الذي يتخذ القرار فعلًا؟

نحب أن نصدق أن العقل الواعي—التحليلي—هو القائد.
لكن الحقيقة النفسية تقول:

العقل العاطفي يتخذ القرار، والعقل الذكي يبرّره.

العقل العاطفي يبحث عن:

  • الأمان

  • القبول

  • تخفيف القلق

  • الهروب من الألم الآني

بينما العقل الذكي:

  • يحلّل

  • يشرح

  • يبرّر بعد وقوع الفعل

ولهذا نرى أشخاصًا:

  • يدرسون إدارة المخاطر… ثم يخاطرون بلا وعي

  • يحللون العلاقات… ثم يعودون لنفس الشخص المؤذي

  • يفهمون المال… ثم يكررون نفس السلوك الاستهلاكي

لأن القرار لم يُتخذ في ساحة الذكاء، بل في ساحة الشعور.


ثانيًا: التجربة الحياتية – حين فهمتُ ذلك متأخرًا

سأشاركك تجربة شخصية (أو تشبه تجربة كثيرين):

كنتُ أتخذ قرارًا متكررًا في حياتي المهنية:
أتحمّل فوق طاقتي، أؤجل الحدود، وأقدّم أكثر مما ينبغي.
وفي كل مرة أقول: هذه آخر مرة.

تحليلي كان واضحًا، وذكائي المهني حاضر.
لكنني كنت أكرر السلوك نفسه.

وفي لحظة صدق مع نفسي، أدركتُ الحقيقة المؤلمة:
لم أكن أبحث عن النجاح…
كنت أبحث عن الاعتراف بقيمتي.

القرار لم يكن مهنيًا.
كان عاطفيًا.

وهنا سقط وهم:

الذكاء لا يكفي إذا كان القرار محاولة لسد فراغ داخلي.


ثالثًا: لماذا نكرر القرار؟ خمسة أسباب خفية

1. لأن القرار مرتبط بهويتنا لا بمصلحتنا

أحيانًا نكرر القرار لأن تغييره يعني تغيير صورة أنفسنا.

  • “أنا الشخص المتحمّل”

  • “أنا الذي لا يترك”

  • “أنا الذي يضحي”

التخلي عن القرار = تهديد للهوية.
والعقل يقاوم ذلك بشراسة.


2. لأن الألم المألوف أأمن من المجهول

العقل لا يكره الألم…
هو يكره المجهول.

فنختار:

  • علاقة مؤذية نعرفها

  • وظيفة مرهقة اعتدناها

  • نمط حياة متعب لكنه مألوف

لأن المجهول، رغم احتماله الأفضل، يثير القلق.


3. لأننا نخلط بين الوعي والتغيير

أن تفهم المشكلة ≠ أن تتغير.
الوعي خطوة، لكنه ليس العلاج.

كم شخص يقول:

“أنا فاهم نفسي جدًا”
ثم لا يتغير شيء؟

لأن التغيير يحتاج:

  • تدريبًا عصبيًا جديدًا

  • تجربة سلوكية مختلفة

  • صبرًا على الانزعاج المؤقت

لا مجرد فهم ذهني.


4. لأن القرار يعيد تمثيل قصة قديمة

كثير من قراراتنا ليست جديدة.
إنها إعادة تمثيل غير واعٍ لتجارب سابقة:

  • الطفولة

  • علاقات مبكرة

  • خيبات لم تُحل

فنكرر القرار لا لأنه جيد…
بل لأنه مألوف نفسيًا.


5. لأننا نطلب من القرار ما لا يستطيع منحه

نطلب من القرار أن:

  • يعوض نقصًا عاطفيًا

  • يثبت قيمتنا

  • يداوي جرحًا قديمًا

والقرار لا يفعل ذلك.
لكننا نكرر المحاولة.


رابعًا: الذكاء… سيف ذو حدّين

الذكي لديه ميزة خطيرة:
يبرر أخطاءه بذكاء.

  • يعطيها أسماء راقية

  • يضع لها نظريات

  • يقنع نفسه أنها “خطة”

وهنا يصبح الذكاء حليف التكرار، لا عدوّه.


خامسًا: متى يتوقف التكرار؟

يتوقف حين يتغير السؤال الداخلي من:

لماذا اتخذت هذا القرار؟
إلى:
ماذا كان هذا القرار يحاول أن يحميني منه؟

حينها ننتقل:

  • من جلد الذات

  • إلى فهم الذات

ومن التكرار
إلى الاختيار الواعي.


خاتمة: الذكاء يحتاج شجاعة

ليس كل من يكرر القرار غبيًا.
كثير منهم أذكياء… لكنهم:

  • لم يصغوا لإشاراتهم الداخلية

  • لم يواجهوا السبب الحقيقي

  • لم يسمحوا لأنفسهم بتجربة طريق جديد

الذكاء الحقيقي ليس في عدم الخطأ،
بل في القدرة على الجلوس مع النفس بصدق،
وسؤالها السؤال الأصعب: ما الذي أحتاجه حقاً …. وليس ما اعتدتُ عليه؟

د. محمود عبد العال

مدرب نفسي (PhD) متخصص في جودة الحياة والتدخلات الموجهة للمراهقين والشباب. مؤسس ومدير الاكاديمية الدولية للإنجاز.