زوايا

عندما لا تسير الحياة كما نريد!

لماذا ليست كل خيبة كارثة؟

من أكثر الأفكار شيوعًا في الوعي الإنساني — وأكثرها إنهاكًا للنفس — الاعتقاد القائل:
«إنه لمصيبة فادحة أن تسير الأمور على عكس ما يريد الفرد».
قد تبدو هذه الفكرة بديهية عند أول احتكاك بالواقع، لكنها في جوهرها فكرة لاعقلانية، لا لأنها تتجاهل الألم، بل لأنها تُضخّمه وتحوّله من تجربة إنسانية طبيعية إلى أزمة وجودية مستمرة.

1. الحياة لا تُدار بالرغبات وحدها

منذ القدم عبّر الإنسان عن هذه الحقيقة ببلاغة:
«ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن».
ليست هذه العبارة تعبيرًا عن الاستسلام، بل عن الاعتراف بطبيعة الواقع. فالعالم لا يعمل وفق مخططاتنا الفردية، ولا يُعيد ترتيب نفسه ليناسب توقعاتنا. مقاومة هذه الحقيقة لا تغيّرها، لكنها تُدخل الإنسان في صراع داخلي دائم.

2. الحزن لا يُعيد ترتيب الوقائع

من أخطر ما تفعله هذه الفكرة اللاعقلانية أنها توهم الإنسان بأن الحزن والهم قد يُصلحان ما فسد.
في الحقيقة، الموقف الحاصل لا يتغير بالحزن، بل قد يزداد سوءًا حين يُستنزف الفرد نفسيًا، وتضعف قدرته على التفكير المرن واتخاذ القرار. الألم مفهوم، لكن تحويله إلى اجترار دائم لا يخدم صاحبه.

3. الأحداث لا تتبدل بتفسيرنا لها

الحدث في ذاته محايد: هو ما هو عليه.
الذي يُحدث الفارق الحقيقي هو التفسير.
حين يُقنع الفرد نفسه بأن ما حدث «كارثة»، فإنها تصبح كذلك نفسيًا، حتى وإن لم تكن كذلك واقعيًا. أما حين يُنظر إلى الحدث باعتباره خسارة محدودة، تجربة صعبة، أو عائقًا مؤقتًا، فإن تأثيره يظل في حجمه الطبيعي.

4. القبول ليس ضعفًا بل ذكاء نفسي

عندما يعجز الإنسان عن تغيير الموقف، فإن الخيار العقلاني ليس المقاومة العمياء، بل القبول الواعي.
القبول لا يعني الرضا بما يؤلم، ولا يعني التخلي عن الطموح، بل يعني التوقف عن استنزاف النفس في معركة خاسرة، وتوجيه الطاقة نحو ما يمكن التحكم فيه:

  • ردود الفعل

  • القرارات القادمة

  • طريقة التكيّف

5. بين الاضطراب والكارثة مسافة اختيار

من الطبيعي أن يُثير الحدث غير السار اضطرابًا نفسيًا، لكن تحويله إلى كارثة هو قرار ذهني، غالبًا غير واعٍ.
الشخص العقلاني يميّز بين:

  • ما أزعجني

  • وما دمّرني

ولا يسمح للأول أن يتحول إلى الثاني إلا إذا فسّره على هذا النحو.

6. العقلانية ليست إنكارًا للمشاعر

الشخص العقلاني لا يقسو على نفسه، ولا ينكر مشاعره، لكنه لا يتركها تقوده.
هو لا يبالغ في تفسير نتائج الأحداث غير السارة، بل:

  • يسعى لتحسينها إن أمكن

  • يقلل من أضرارها قدر استطاعته

  • وإن تعذّر ذلك، يتقبلها دون تضخيم


الخُلاصة

ليست المصيبة في أن تسير الأمور عكس ما نريد،
المصيبة الحقيقية أن نُصرّ على تفسير كل ما لا نريده على أنه كارثة.

الفرق بين الإنسان المنهك والإنسان المتوازن لا يكمن في ما يحدث له، بل في كيف يفهم ما حدث، وكيف يتعامل معه، وإلى أي حد يسمح له أن يدمّره.

Dr. Mahmoud Abdelal

Psychological Trainer (PhD) specializing in quality of life and interventions for adolescents and young adults. Founder and Director of the International Academy of Achievement.
Support
We typically reply in a few minutes

How can we help you today?

Chat with our team directly from this website. Leave your message and we will reply here.