زوايا

رقم 1 (قصة قصيرة)

القصة الأولى من مجموعة (السر الذي يسكننا)

في ضواحي مدينة مظلمة بالكاد تصلها أضواء الشوارع، يعيش -سامر-، شاب في منتصف الثلاثينات، يعمل كمبرمج في شركة تكنولوجيا متواضعة. كان سامر يعيش حياة هادئة ولكن مليئة بالشعور باللاجدوى. طلاقه قبل عام، وضعه في دائرة مغلقة من العزلة والندم، ومع ذلك، كان يجد في عمله ملاذًا مؤقتًا من شياطين نفسه.

في يوم ممطر، وبينما كان سامر في مكتبه، تلقى بريدًا إلكترونيًا غريبًا على حاسوبه. عنوان الرسالة كان بسيطًا لكنه مثير: – رقم 1-.

فتح الرسالة بحذر، ووجد فيها جملة واحدة:

-أنت المختار. كل شيء يبدأ اليوم.-

اعتقد أنها رسالة تسويقية أو مجرد خدعة، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا. بعد قراءة الرسالة، توقف جهازه عن العمل، وعندما أعاد تشغيله، وجد على سطح المكتب ملفًا جديدًا يحمل نفس الاسم: – رقم 1-.

فتح الملف ليجد سلسلة من الأرقام والصور. الصور كانت لأشخاص لا يعرفهم، لكن ملامحهم بدت مألوفة بشكل غريب. كان بينهم رجل مسن يحمل حقيبة صغيرة، وامرأة ترتدي معطفًا أحمر، وطفل يقف أمام باب معدني يحمل الرقم -1-.

في أسفل الملف، كانت هناك خريطة تشير إلى مصنع مهجور في أطراف المدينة.

بعد تردد طويل، قرر سامر زيارة المكان مدفوعًا بفضوله، وشعور داخلي غامض يخبره أن هذا الأمر مرتبط به بشكل ما.

عند وصوله إلى المصنع المهجور، كان المكان مظلمًا ومليئًا بالأنقاض. الهواء ثقيل برائحة الصدأ والرطوبة. بينما كان يتجول في المكان، لاحظ وجود باب معدني يحمل الرقم -1-، تمامًا كما كان في الصورة.

فتح الباب ليجد غرفة صغيرة، بداخلها كرسي معدني وطاولة عليها مرآة مكسورة. على الجدران، كانت هناك كتابات غامضة بخطوط متعرجة:

-كل شيء يبدأ هنا. لا يوجد اختيار بدون تضحية.-

بينما كان سامر يحاول فهم ما يحدث، بدأت الغرفة تهتز وكأنها تنبض بالحياة. انعكاسه في المرآة لم يكن طبيعيًا؛ كان يرى نسخة أصغر منه، طفلًا يحمل حقيبة مدرسية وينظر إليه بعيون حزينة.

فجأة، بدأ يسمع أصواتًا، أصوات أناس يعرفهم: والديه، زملائه، وحتى زوجته السابقة. الأصوات كانت تلومه على أخطائه، قراراته، وهروبه من المواجهة.

ثم ظهر الرجل المسن الذي كان في الصورة، وقال له:

– رقم 1 ليس مجرد بداية. إنه ولادتك الحقيقية، لكن لا أحد يولد مرتين دون أن يواجه نفسه.-

في تلك اللحظة، وجد سامر نفسه في مواجهة سلسلة من الاختبارات النفسية. رأى مواقف من ماضيه تتكرر أمامه، لكنه كان عاجزًا عن تغيير أي شيء. شاهد لحظة طلاقه، علاقته الباردة مع والديه، وصداقاته التي تلاشت بسبب أنانيته.

أخيرًا، وقف أمام الطفل الذي كان في المرآة، والذي قال له:

-لقد نسيتني. أنا أنت قبل أن تتحول إلى ما أصبحت عليه. ولكي تولد من جديد، عليك أن تحررني.-

سامر أدرك أن الطفل يمثل البراءة والطموح الذي فقده، وأن كل ما حدث كان بمثابة مواجهة مع ذاته الحقيقية.

عندما خرج سامر من المصنع، كانت الشمس تشرق لأول مرة منذ أيام، وكأن الظلام الذي كان يغطي حياته بدأ يتلاشى. في يده، وجد مفتاحًا صغيرًا يحمل الرقم -1-.

عاد إلى منزله، لكنه لم يعد كما كان. بدأ يواجه مشاكله بشجاعة، يصلح علاقاته، ويعيد بناء نفسه. أدرك أن -رقم 1- لم يكن سوى بداية جديدة، وأن التغيير الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن الهروب ونواجه ذواتنا.

د. محمود عبد العال

مدرب نفسي (PhD) متخصص في جودة الحياة والتدخلات الموجهة للمراهقين والشباب. مؤسس ومدير الاكاديمية الدولية للإنجاز.